أبي حيان التوحيدي

40

المقابسات

تعقيب وتعليق كان أول ما وقفت على هذه الرسالة في سنة 1909 فقد قرأتها في الكتاب الذي وضعه محمد بك دياب رحمه اللّه في أدب اللغة العربية ، فشككت في صحة نسبتها إلى العزوة إليهم ، ثم قرأتها في كتاب المسامرات المنسوب لمحيى الدين ابن عربى ، ثم في كتاب صبح الأعشى ، فتزايد الشك في نفسي ، ثم أخذ هذا الشك في المزيد كلما فكرت فيها حتى أفضى بي إلى الجزم بوضعها وصنعها ، وأنها ما خطرت لأبى عبيدة وأبى بكر وعمر وعلى ، رضى اللّه عنهم ، ببال . لأننى رأيت أسلوبها الكتابي ، ومنهجها الخطابي ، وما زخرت به من المذاهب البلاغية ، وأنواع المجازات وصنوف الاستعارات البديعية لا يتفق مع المعروف من رسائلهم وخطبهم ؛ وليست في إجمالها وتفصيلها من جنس كلامهم . ومما رابني في صحة نسبتها إليهم تلك العبارات الواردة فيها والتي لا تتناسب مع آدابهم العالية ، وأخلاقهم السامية ، ومع ما هو مشهور عنهم ، ومشهود به لهم ، من حسن الصّحابة ، وجميل المواخاة ، وخالص الود والولاء فيما بينهم في السراء والضراء ، ولهذا حينما وضعت كتابي « أعيان البيان » في سنة 1913 أشرت في مقدمته إلى أن هذه الرواية مفتراة على من نسبت إليهم من هؤلاء الأئمة الراشدين . كما أشرت إلى غيرها مما وضعه لرواة وعزوه إلى القدماء . ومما قلته في ذلك الصدد : « ومهما بالغ الرواة في توثيق ما جاءونا به من منثور الكلام المسند إلى أهل ذلك العصر القديم ، وأنى تعددت مصادره ، ووفرت مراجعه ، فلا تسخو نفسي بأن تؤمن بخلوه من بضاعتهم المزجاة ، أو بسلامته من صناعتهم المتعملة ؛ فقد كان جل ما تصبو إليه نفس أحدهم أن يحضر مجلس صاحب السلطان فيعرض بين يديه من مغربة الأخبار ، وجائبة الأنباء والآثار ،